أبي المعالي القونوي

230

شرح الأسماء الحسنى

أخبر الحقّ أنّه ما عدل من عدل - كان العدل ما كان - إلى الحقّ أو إلى الباطل إلّا به وبإرادته ومشيّته ، لأنّه لا حول ولا قوّة إلّا به ، وإنّما سمّاهم كفّارا لأنّهم ستروا وجه الإطلاق بتقييدهم ، وإنّما صدر السّتر عنهم لأحد الأمرين : [ الأوّل ] : إمّا لأنّهم ستروا عين البصيرة عن التّصرّف الصّحيح ، واقتصروا على ما بدا لهم ، ولم يوفوا النّظر حقّه ، ليظهر لهم حقيقة الأمر على ما هو عليه في نفسه ، فحرموا بتقصيرهم الخير الكثير . [ الثّانيّ ] : وإمّا لأنّهم بعد إمعان النّظر علموا وأشهدوا الأمر على ما هو عليه ، ولكن جحدوا وستروا عن الغير ، لمنفعة كانت تحصل لهم من مال وجاه ، كما فعل أحبار اليهود ، فالميل عين الإستقامة لكلّ عين من أعيان عالم الإمكان في مراتب الوجود ، وإن توهّم النّاظر خلاف ذلك ، كما يشاهد من إعوجاجات أغصان الأشجار ، وميلها ، وتداخل بعضها على بعض ، فإنّ ذلك كلّها مستقيمة « 1 » في عين ذلك الميل عند المحقّق ، لأنّها مالت بحكم جريان الطّبيعة في مجاريّ موادّها ، كذلك ميل أعيان أغصان الأشجار ، وتداخل بعضها على بعض ، فإنّ ذلك كلّها « 2 » أغصان شجرة الكون في مراتب جزئياتها واختلاف حالاتها ، وتوجّهها إلى غاياتها وإخراج كمالاتها إنّما هو بحكم جريان حكمة فاطرها وتصرّف موجدها : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 3 » .

--> ( 1 ) - ص : فإنها كلها مستقيم . ( 2 ) - من كلمة « أغصان » إلى هنا ساقطة . ( 3 ) - سورة هود ( 11 ) : الآية 56 .